فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا} قيل: وكان الرجوع إلى قومه بعد ما استوفى أربعين يومًا: ذا القعدة، وعشر ذي الحجة، والأسف: الشديد الغضب.
وقيل: الحزين، وقد مضى في الأعراف بيان هذا مستوفى.
{قَالَ يَا قَوْم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} الاستفهام للإنكار التوبيخي، والوعد الحسن: وعدهم بالجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم أن يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى ليعملوا بما فيها، فيستحقوا ثواب عملهم، وقيل: وعدهم النصر والظفر.
وقيل هو قوله: {وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ} الآية.
{أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد} الفاء للعطف على مقدّر، أي أوعدكم ذلك، فطال عليكم الزمان فنسيتم {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ} أي يلزمكم وينزل بكم، والغضب: العقوبة والنقمة.
والمعنى: أم أردتم أن تفعلوا فعلًا يكون سبب حلول غضب الله عليكم {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى} أي: موعدكم إياي، فالمصدر مضاف إلى المفعول؛ لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عزّ وجلّ إلى أن يرجع إليهم من الطور.
وقيل: وعدوه أن يأتوا على أثره إلى الميقات، فتوقفوا فأجابوه، و{قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ} الذي وعدناك {بِمَلْكِنَا} بفتح الميم، وهي قراءة نافع وأبي جعفر وعاصم وعيسى بن عمر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر الميم، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنها على اللغة العالية الفصيحة، وهو مصدر ملكت الشيء أملكه ملكًا، والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف، أي بملكنا أمورنا، أو بملكنا الصواب، بل أخطأنا ولم نملك أنفسنا وكنا مضطرين إلى الخطأ، وقرأ حمزة والكسائي: {بملكنا} بضمّ الميم، والمعنى بسلطاننا، أي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك.
وقيل: إنّ الفتح والكسر والضم في: {بملكنا} كلها لغات في مصدر ملكت الشيء.
{ولكنا حُمّلْنَا أَوْزَارًا مّن زِينَةِ القوم} قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص وأبو جعفر ورويسك: {حملنا} بضم الحاء وتشديد الميم، وقرأ الباقون بفتح الحاء والميم مخففة، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنهم حملوا حلية القوم معهم باختيارهم، وما حملوها كرهًا، فإنهم كانوا استعاروها منهم حين أرادوا الخروج مع موسى، وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة.
وقيل: هو ما أخذوه من آل فرعون لما قذفهم البحر إلى الساحل، وسميت أوزارًا، أي آثامًا؛ لأنه لا يحلّ لهم أخذها، ولا تحل لهم الغنائم في شريعتهم والأوزار في الأصل: الأثقال، كما صرح به أهل اللغة، والمراد بالزينة هنا: الحليّ {فَقَذَفْنَاهَا} أي: طرحناها في النار طلبًا للخلاص من إثمها.
وقيل: المعنى طرحناها إلى السامريّ لتبقى لديه حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري} أي فمثل ذلك القذف ألقاها السامريّ.
قيل: إن السامريّ قال لهم حين استبطأ القوم رجوع موسى: إنما احتبس عنكم لأجل ما عندكم من الحليّ، فجمعوه ودفعوه إليه، فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلًا، ثم ألقى عليه قبضة من أثر الرسول وهو جبريل، فصار {عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} أي يخور كما يخور الحيّ من العجول، والخوار: صوت البقر.
وقيل: خواره كان بالريح؛ لأنه كان عمل فيه خروقًا.
فإذا دخلت الريح في جوفه خار ولم يكن فيه حياة {فَقَالُواْ هذا إلهكم وإله موسى} أي قال السامريّ ومن وافقه هذه المقالة {فَنَسِيَ} أي فضلّ موسى ولم يعلم مكان إلهه هذا، وذهب يطلبه في الطور.
وقيل: المعنى: فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم.
وقيل: الناسي هو السامريّ، أي ترك السامريّ ما أمر به موسى من الإيمان وضلّ، كذا قال ابن الأعرابي.
{أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا} أي أفلا يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجل لا يرجع إليهم قولًا، أي لا يردّ عليهم جوابًا، ولا يكلمهم إذا كلموه، فكيف يتوهمون أنه إله وهو عاجز عن المكالمة، فأن في: {ألا يرجع} هي المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير مقدّر يرجع إلى العجل، ولهذا ارتفع الفعل بعدها، ومنه قول الشاعر:
في فتية من سيوف الهند قد علموا ** أن هالك كل من يَحْفَى ويَنْتَعِلُ

أي أنه هالك.
وقرئ بنصب الفعل على أنها الناصبة، وجملة: {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا} معطوفة على جملة: {لا يرجع} أي أفلا يرون أنه لا يقدر على أن يدفع عنهم ضرًّا ولا يجلب إليهم نفعًا.
{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هارون مِن قَبْلُ} اللام هي الموطئة للقسم، والجملة مؤكدة لما تضمنته الجملة التي قبلها من الإنكار عليهم والتوبيخ، لهم أي ولقد قال لهم هارون من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم {ياقوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} أي وقعتم في الفتنة بسبب العجل، وابتليتم به وضللتم عن طريق الحق لأجله.
قيل: ومعنى القصر المستفاد من إنما هو: أن العجل صار سببًا لفتنتهم لا لرشادهم وليس معناه: أنهم فتنوا بالعجل لا بغيره {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن فاتبعوني وَأَطِيعُواْ أَمْرِي} أي ربكم الرحمن لا العجل، فاتبعوني في أمري لكم بعبادة الله، ولا تتبعوا السامريّ في أمره لكم بعبادة العجل، وأطيعوا أمري لا أمره.
{قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عاكفين حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى} أجابوا هارون عن قوله المتقدّم بهذا الجواب المتضمن لعصيانه، وعدم قبول ما دعاهم إليه من الخير وحذرهم عنه من الشرّ، أي لن نزال مقيمين على عبادة هذا العجل، حتى يرجع إلينا موسى، فينظر: هل يقرّرنا على عبادته أو ينهانا عنها؟ فعند ذلك اعتزلهم هارون في اثني عشر ألفًا من المنكرين لما فعله السامريّ.
وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: {يَبَسًا} قال: يابسًا ليس فيه ماء ولا طين.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {لاَ تخاف دَرَكًا} من آل فرعون {وَلاَ تخشى} من البحر غرقًا.
وأخرجا عنه أيضًا في قوله: {فَقَدْ هوى} شقي.
وأخرجا عنه أيضًا: {وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ} قال: من الشرك {وَآمَنَ} قال: وحد الله {وَعَمِلَ صالحا} قال: أدّى الفرائض {ثُمَّ اهتدى} قال: لم يشك.
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي عنه أيضًا: {وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ} قال: من تاب من الذنب، وآمن من الشرك، وعمل صالحًا فيما بينه وبين ربه {ثُمَّ اهتدى} علم أن لعمله ثوابًا يجزى عليه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: {ثُمَّ اهتدى} قال: ثم استقام، لزم السنّة والجماعة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة، والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعجل موسى إلى ربه، فقال الله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى} الآية، قال: فرأى في ظلّ العرش رجلًا فعجب له، فقال: من هذا يا ربّ؟ قال: لا أحدثك من هو، لكن سأخبرك بثلاث فيه: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعقّ والديه، ولا يمشي بالنميمة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن عليّ قال: لما تعجل موسى إلى ربه عمد السامريّ فجمع ما قدر عليه من حليّ بني إسرائيل فضربه عجلًا، ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار، فقال لهم السامريّ: {هذا إلهكم وإله موسى}، فقال لهم هارون: {يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدًا حسنًا} فلما أن رجع موسى أخذ برأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامريّ: ما خطبك؟ قال: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول فَنَبَذْتُهَا وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} فعمد موسى إلى العجل، فوضع موسى عليه المبارد فبرده بها وهو على شط نهر فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد ذلك العجل إلا اصفرّ وجهه مثل الذهب، فقالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا، فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه ولا يبالي بمن قتل حتى قتل منهم سبعون ألفًا، فأوحى الله إلى موسى مرهم فليرفعوا أيديهم، فقد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي.
والحكايات لهذه القصة كثيرة جدًّا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بِمَلْكِنَا} قال: بأمرنا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة: {بِمَلْكِنَا} قال: بطاقتنا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ مثله.
وأخرج أيضًا عن الحسن قال: بسلطاننا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {هذا إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ} قال: فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
قوله: {بِمَلْكِنَا}:
قرأ الأخَوان بضم الميم. ونافع وعاصم بفتحها، والباقون بكسرها: فقيل: لغاتٌ بمعنى واحدٍ كالنَّقْض والنِّقْضِ. ومعناها: القُدْرَةُ والتسلُّطُ. وفرَّق الفارسيُّ وغيرُه بينها فقال: المضمومُ معناه: لم يكنْ لنا مُلْكٌ فَنُخْلِفَ موعدَك بسُلْطَانِه، وإنما فَعَلْناه بنظرٍ واجتهادٍ، فالمعنى على: أَنْ ليس لهم مُلْكٌ.
كقول ذي الرمة:
لا تُشْتكى سَقْطَةٌ منها وقد رَقَصَتْ ** بها المفاوِزُ حتى ظهرُها حَدِبُ

أي: لا يقع منها سَقْطَةٌ فتشتكى. وفتحُ الميمِ مصدرٌ مِنْ مَلَكَ أمرَه. والمعنى: ما فعلناه بأنَّا مَلَكْنا الصوابَ، بل غَلَبَتْنا أنفسُنا. وكسرُ الميمِ كَثُر فيما تَحُوْزه اليدُ وتحويه، ولكنه يُسْتعمل في الأمورِ التي يُبْرِمُها الإِنسانُ ومعناها كمعنى التي قبلها. والمصدرُ في هذين الوجهين مضافٌ لفاعلِه، والمفعولُ محذوفٌ أي: بملكِنا الصوابَ.
قوله: {حُمِّلْنَآ} قرأ نافعٌ وابنُ كثير وابنُ عامر وحفصٌ بضم الحاء وكسر الميم مشددة. وأبو جعفرٍ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف الميم، والباقون بفتحِهما خفيفةَ الميمِ. فالقراءةُ الأولى والثانية نَسَبوا فيهما الفعلَ إلى غيرِهم، وفي الثالثةِ نَسَبُوه إلى أنفسهم.
و{أَوْزَارًا} مفعولٌ ثانٍ على غيرِ القراءة الثالثة. و{مِّن زِينَةِ} يجوز أَنْ يكونَ متعلقًا ب {حُمِّلْنا}، وأن يكونَ متعلِّقًا بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل أَوْزار.
وقوله: {فَكَذَلِكَ} نعتٌ لمصدرٍ، أو حالٌ من ضميره عند سيبويه أي: إلقاءً مثلَ إلقائِنا ألقى السامريُّ.
قوله: {أَلاَّ يَرْجِعُ}: العامَّةُ على {يرجعُ} لأنها المخففةُ من الثقيلة. ويدلُّ على ذلك وقوعُ أصلِها وهو المشدَّدةُ في قوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ} [الأعراف: 148].
وقرأ أبو حيوةَ والشافعيُّ وأبانُ بنصبه. جعلوها الناصبةَ. والرؤيةُ على الأولى يقينيةُ، وعلى الثانية بَصَريةٌ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذين القولين في سورة المائدة.
والسامريُّ: منسوبٌ لقبيلةٍ يُقال لها: سامرة.
وقرأ الأعمش: {فنسْي} بسكون السين وهي لغةٌ فصيحةٌ. والضميرُ في {نسي} يجوز أن يعود على السامِرِيِّ، وعلى هذا فهو مِنْ كلامِ اللهِ تعالى، ويجوز أن يعودَ على موسى صلَّى الله عليه وسلَّم. وعلى هذا فهو من كلامِ السامريِّ أي: نَسِي إلهَه. والقولان منقولان لأهل التفسير.
وقرأ العامَّةُ: {إنما فُتِنْتُم} و{إنَّ ربَّكم الرحمنُ} بالكسر فيهما، لأنهما بعد القول لا بمعنى الظن. وقرأت فرقة بفتحِهما وخُرِِّجت على لغة سُلَيْم: وهو أنهم يفتحون {أنَّ} بعد القول مطلقًا. وقرأ أبو عمروٍ في روايةٍ، والحسن وعيسى بن عمر بفتح {أنَّ ربَّكم} فقط. وخُرِّجَتْ على وجهين، أحدهما: أنها وما بعدها بتأويل مصدرٍ في محل رفع خبرًا لمبتدأ محذوف تقديرُه: والأمرُ أَنْ ربَّكم الرحمنُ فهو مِنْ عطفِ الجملِ لا مِنْ عطفِ المفرداتِ. والثاني: أنها مجرورةٌ بحرفٍ مقدَّرٍ ِأي: لأنَّ ربَّكم الرحمنُ فاتَّبعوني. وقد تقدَّم القولُ في نظيرِ ذلك بالنسبة إلى هذه الفاء. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا}.
قالوا لم نكن في ابتداءِ حالِنا قاصدين إلى ما حَصَلَ مِنَّا، ولا عالمين بما آلتْ إليه عاقبةُ حالِنَا، وإن الذي حملنا من حُلِيِّ القبط صاغَ السامريُّ منه العجلَ... وكذلك الحرامُ من حطام الدنيا لا يخلو من شؤم أثره. فلقد كانت الغنيمة وأموال المشركين حرامًا عليهم، فاستعاروا الحليَّ من القبط، وآل إليهم ما كان في أيديهم من الملْكِ، فكان سبب عبادتهم العِجْل... كذلك مَنْ انهمك في طلب الدنيا من غير وجهِ حلالٍ يكون على خَطَرٍ من رِقَّةِ دينهِ، قال تعالى: {أفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23].
{فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ}.
يقال إنهم لمَّا مَرُّوا على قوم يعبدون أصنامًا لهم قالوا لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، وكان ذلك الصنم على صورة العجل فكان مَيْلُهم إلى عبادته مُسْتَكِنًَّا في قلوبهم، فصاغ السامريُّ العجل على تلك الصورة. وفي هذه إشارة إلى أن خفايا الهوى إذا استكنَّت في القلب فَمَا لم يُنْقَش ذلك الشرك بمنقاش المنازلة يُخْشَى أن يَلْقَى صاحبه.
ويقال إن موسى عليه السلام خرج من بين أمته أربعين يومًا برَضِيَ قومهُ بعبادة العجل، ونبيُّنا عليه السلام خرج من بين أمته وأتت سنون كثيرة ولو ذَكَرَ واحدٌ عند مَنْ أخلص مِنْ أمته في التوحيدِ حديثًا في التشبيه لعدوا ذلك منه كبيرةً ليس له منها مَخْلَصٌ.
كذلك فإنهم استحفظوا كتابهم فبدَّلوه تبديلًا، بينما ضَمَنَ الحقُّ- سبحانه- إعزازَ هذا الكتاب بقوله: {إِنًّا نَحْنُ نَزًّلْنَا الذِّكْرَ وأِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
وقال: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [الفتح: 28].
قوله: {أَفَلاَ يَرَوْنَ ألاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا} بَيَّنَ أَنَّ مَنْ لا قول له لا يتكلم، ومن لا يملك الضر والنفع لا يستحق العبادة، وفيه رَدٌ على مَنْ لم يُثْبِتْ له في الأزَل القول، ولم يَصِفْه بالقدرة على الخير والشر:
{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ}.
إنهم لم يحفظوا أمر موسى وهو فوق هارون، والإشارة في هذا أن من لم يحفظ أمر مَنْ هو أعلى رتبةً يحفظ كيف أمر من هو أدنى منزلةً؟ فَمَنْ تَرَكَ أَمْرًَا الحقِّ... كيف يُطْمَعُ فيه أن يحترم الشيوخَ وأكلَ الناس؟ لهذا قيل: لا حُرْمَةَ لفاسق؛ لأنه إذا تَرَكَ حقَّ الحقَّ فمتى يحفظ حَقَّ الخَلْقِ؟. اهـ.